من المجسمات إلى الكونتاك (الإعلام السوري بين الخداع والتبرير إلى التشفي)

من المجسمات إلى الكونتاك الإعلام السوري بين الخداع والتبرير إلى التشفي
من المجسمات إلى الكونتاك (الإعلام السوري بين الخداع والتبرير إلى التشفي)

من المجسمات إلى الكونتاك (الإعلام السوري بين الخداع والتبرير إلى التشفي)
فرحان مطر.

لم يتمتع الإعلام السوري يوماً، ومنذ بداية الثورة السورية (على الأقل) بالمهنية، أو الحيادية بأية درجة كانت حيال تغطيته اليومية للأحداث التي شهدتها سوريا، سواء منها المتعلقة بالمظاهرات، أو مختلف أشكال الاحتجاجات السلمية، وذلك كله قبل أن تتطور الأمور وصولاً إلى حضور السلاح.

عند الحديث عن الإعلام السوري، فهو يشمل كل الإعلام الرسمي، والخاص، بوسائله المتنوعة كافة، المرئية منها، والمسموعة أو المقروءة، ذلك أنه لا وجود لإعلام هناك، يمتلك الحد الأدنى من الاستقلالية الكافية ليعبّر من خلالها بحرية عما يراه على أرض الواقع، فالكل خاضع لسياسة واحدة ترسمها وزارة الإعلام السورية، التي تتلقى بدورها التعليمات، والتوجيهات (ليس شرطاً أن تكون مكتوبة أبداً) من الجهات الأعلى في الحكم، حاشية القصر الجمهوري تحديداً.

إن متابعة سريعة لمجريات الخطاب الإعلام السوري، عبر عددٍ من المحطات المعروفة للجميع يكشف بوضوح ما أشارت إليه هذه المقدمة، حيث الكذب دون أي احترام لعقول المشاهدين، الذين يعرفون حقيقة ما يحدث، وبالتالي لا يمكن خداعهم، وتزوير الوقائع بتلك السهولة التي يتفوّه بها ما يسمّى بالمحللين السياسيين الذين يتناوبون الظهور على شاشات التلفزيون السوري، ومحطات الإذاعة، أو الصحف السورية الرسمية، والخاصة جميعاً، وهم يضربون عرض الحائط بكل الوقائع على الرغم من شدة وضوحها، وسطوعها كأشعة الشمس التي لا يمكن أن تختفي خلف أي غربال.

منذ بداية المظاهرات السلمية التي شهدتها المدن السورية، تحدث هذا الإعلام عما أسماه: المندسين، في محاولة منه لتشويه طبيعة تلك المظاهرات، وربطها بالعنف الذي يحاول إلصاقه بها، للقول إن هؤلاء المتظاهرين هدفهم التخريب والعنف، وليسوا مدنيين، وأصحاب مطالب مشروعة.
قدّم التلفزيون السوري عبر نشراته الإخبارية تقريراً من المركز الإذاعي والتلفزيوني بمحافظة درعا، يُظهر فيه هؤلاء المندسين بطريقة صبيانية لا تستطيع إقناع حتى الأطفال.

الكاميرا ثابتة من داخل مبنى هذا المركز تتابع أشخاصاً ملثمين (المندسين) وهم ينظرون إلى الكاميرا التلفزيونية، كأنهم يقومون بتمثيل مشهد تلفزيوني.
عندما قامت مجموعات الشبيحة بالاعتداء على أهالي قرية البيضا في مدينة بانياس، وتم تسريب صور تلك الاعتداءات لهم وهم يقومون بالدعس على رؤوس المواطنين، وضربهم، وشتمهم بأقذع الألفاظ بطريقة لا تحتمل التأويل، أو الالتباس من خلال صورة المكان، وأشكال الناس الذين يتعرضون للتعذيب الجماعي، والشبيحة وكلامهم الصارخ.

عند تلك الحادثة تصدى التلفزيون السوري لمحاولة طمس الحقيقة، فماذا قال محللوه السياسيون؟!. قالوا: هذه الحادثة ليست في سوريا أولاً، والعناصر الذين يقومون بالاعتداء ليسوا سوريين أساساً. كيف ذلك؟!. قالوا: إنها بالعراق، وهؤلاء عناصر من البيشمركة الكردية، وقدموا دليلاً خطيراً على كلامهم هذا هو الأحذية الرياضية التي يلبسها هؤلاء الأشخاص، وقالوا: هذه أحذية لا يستعملها السوريون!!. طبعاً صارت هذه الأحذية ذاتها ترمز إلى ما يلبسه عناصر الجيش السوري النظامي وشبيحته، في إشارة إلى هزائمهم في المواجهات العسكرية المتتالية في مراحل لاحقة.

عندما كانت كاميرات التلفزيون السوري تنتشر في بعض أحياء دمشق لتنقل صورة (الحياة الطبيعية في العاصمة دمشق) أيام الجمع، للرد على المظاهرات التي تنطلق بعد صلاة الجمعة من أمام المساجد، والتي يقوم الناشطون السوريون بتصويرها عبر الهواتف المحمولة، وإرسالها إلى القنوات المهتمة بالحدث السوري (الجزيرة على سبيل المثال).

في إحدى تلك الحالات انطلقت المظاهرة من أمام جامع الحسن بحي الميدان الدمشقي، ومن أمام عين كاميرات التلفزيون السوري، ولم يكن بالإمكان إخفاء صورة المتظاهرين، أو إخفاء أصواتهم، فما كان من مذيعة التلفزيون سوى أن تعلق بأن هؤلاء المواطنين خرجوا ليشكروا الله على نعمة المطر.

لم تنفع هذه السياسة الإعلامية بإقناع أحد من السوريين، لذلك فقد انتقل هذا الإعلام إلى مرحلة جديدة في محاولته الاستخفاف بعقول السوريين والعالم، عندما لجأ إلى اعتماد أسلوب عرض المقابلات التلفزيونية التي يظهر فيها أشخاص يقول إنهم إرهابيون تم اعتقالهم، وها هم يدلون باعترافاتهم.

هذه التمثيليات الركيكة الأداء والإخراج، كانت دليلاً جديداً ضد هذا الإعلام السوري، ممثلاً هنا بالتلفزيون الرسمي تحديداً، وهو يقوم بانتزاع اعترافات تحت التعذيب من أشخاص مدنيين تم اعتقالهم بشكل عشوائي من المظاهرات السلمية، أو من مداهمات البيوت في كثير من الأحيان.

في تلك المرحلة كان الإعلام السوري يحاول لوي عنق الحقيقة وتزييف الأحداث، ونفي وجود ثورة شعبية، أو حركة احتجاجات سلمية ذات مطالب مشروعة، وإحالتها بكل ما فيها إلى عناصر مندسة خارجية التوجيه والتمويل والأهداف، غرضها المباشر زعزعة الاستقرار في سوريا، وضرب نظام الحكم الوطني المقاوم لإسرائيل، كل ذلك عبر مؤامرة مزعومة تم الكشف عنه، وفضحه، ونشره على الرأي العام السوري والعالمي.

فما هي؟!. اتفقوا على تسميتها: مؤامرة بندر بن سلطان، حيث ترسم هذه المؤامرة للسوريين خطة التحرك والتظاهر، والشعارات التي عليهم أن يرفعوها في كل مرة، إضافة إلى تحديد يوم لاقتحام مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين بدمشق، وهو المحمي جيداً من قبل المخابرات.
كيف كُشف النقاب عن هذه المؤامرة؟!. قيل إن موقعاً تابعاً للمخابرات الإسرائيلية يدعى (فيلكا) قام بنشر تفاصيل هذه الخطة/المؤامرة.

في البحث عن هذا الموقع المزعوم، يتبيّن أن لا وجود لموقع إسرائيلي بهذا الاسم من قريب، أو بعيد، بينما تتواصل عمليات البحث عن الموقع الذي يحمل هذا الاسم، لتكتشف أنه موقع وهمي من إحدى دول أمريكا اللاتينية يشرف عليه صحفي لبناني، يتلقى تمويله وكل مصادر معلوماته، وأوامره بالكتابة من المخابرات السورية.

كانوا يريدون القول: لا شيء يحدث في سوريا أبداً، وأن كل الصور الحية التي ينقلها الناشطون بما فيها البث الحي والمباشر، والتي وصل صداها إلى كل العالم، هي أخبار كاذبة، وأن المشاهد الحقيقية للمدن السورية هي عبارة عن مجسمات تم تصنيعها في استوديوهات قناة الجزيرة القطرية، للإيحاء بأنها في مدن سورية، وأن المتظاهرين في الشوارع عبارة عن أشخاص تم تضليلهم وشراء ذممهم كي يخرجوا مقابل سندويشات الكباب الملفوفة بورقة الخمسمائة ليرة سورية، إضافة إلى حبوب الهلوسة التي كانت تعطيهم الطاقة على الدبكة في الشوارع والهتاف لفترات طويلة دون الشعور بالتعب.

كان شعار الإعلام السوري في تلك المراحل دائماً: سوريا بخير، وخلصت، ولم يتوقف المحللون السياسيون السوريون، واللبنانيون الذين كان يدفع لهم النظام مبالغ خيالية للصراخ بأن سوريا انتصرت على المؤامرة الكونية المدعومة سعودياً وقطرياً وإسرائيلياً.

بعد هذه السنوات الطويلة التي مرت ثقيلة على الشعب السوري المطالب بحقه في الحياة، وبالتحرر من عبودية هذا النظام الديكتاتوري المجرم، الذي جرب استعمال كل أنواع الأسلحة ضد شعبه، بما فيها الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي، وحتى المحرمة دولياً، مثل صواريخ السكود بعيدة المدى التي قصف بها المدن السورية البعيدة، مثل الرقة، والسلاح الكيماوي الذي استخدمه في عدد من المرات، وفي أكثر من منطقة بداية في الغوطة الشرقية، وليس انتهاء بإدلب، وخان شيخون، عدا عن استخدامه البراميل المتفجرة ضد الأحياء السكنية في كل المدن التي شهدت ثورة عارمة ضده.

بعد كل هذا الخراب والدمار للبنية التحتية السورية، وبعد كل هذه الأعداد الكبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وملايين السوريين المهجرين والنازحين داخل المدن السورية وبلدان الجوار وكل أصقاع العالم، وبعد أن تحولت سوريا إلى بلد يخضع لسيطرة عدة احتلالات في آنٍ معاً، وعلى الرغم من كل الدمار الذي لحق بالنفس البشرية للإنسان السوري جراء هذه المجازر المتكررة، فلم يتوقف الإعلام السوري لحظة واحدة عن سياسته اللا مهنية واللا أخلاقية في الأداء، بل يمكن إضافة عنصر جديد أراه يعمل ضمن هذه المنظومة الإعلامية السورية ذاتها، ولكن هذه المرة عبر ما يسمى الدراما السورية.

كيف يمكن للمرء أن يتصور أن يقوم كاتب سوري، وفنان سوري بعد كل ما حدث للإنسان السوري اليوم أن يشمت ويهزأ ويسخر من آلام وموت أخيه السوري؟!. مثال هذا ما حصل مؤخراً مع مسلسل سوري يعرض في شهر رمضان بعنوان: كونتاك، وهو من أداء أمل عرفة، وآخرين.

عندما كان النظام عبر إعلامه يكذب، ويفبرك، فهو فعل ذلك بفعل حاجته للدفاع عن نفسه في مواجهة تلك الوقائع التي هددت وجوده، أما أن ينتقل النظام عبر الدراما هذه المرة، وعبر استئجار أقلام وفنانين ليس فقط من أجل الدفاع عن وجهة نظره كقاتل، بل وللشماتة من موت السوريين الآخرين الذين هم ضحاياه.
الإعلام سوري بكل تاريخه الأسود الذي شهده العالم عبر هذه السنوات الأخيرة على الأقل، لم يكن سوى أحد أسلحة النظام الأشد فتكاً في قتل السوريين.

– كاتب وصحفي سوري – فرنسا.
[email protected]

من المجسمات إلى الكونتاك (الإعلام السوري بين الخداع والتبرير إلى التشفي)
فرحان مطر.

لم يتمتع الإعلام السوري يوماً، ومنذ بداية الثورة السورية (على الأقل) بالمهنية، أو الحيادية بأية درجة كانت حيال تغطيته اليومية للأحداث التي شهدتها سوريا، سواء منها المتعلقة بالمظاهرات، أو مختلف أشكال الاحتجاجات السلمية، وذلك كله قبل أن تتطور الأمور وصولاً إلى حضور السلاح.

عند الحديث عن الإعلام السوري، فهو يشمل كل الإعلام الرسمي، والخاص، بوسائله المتنوعة كافة، المرئية منها، والمسموعة أو المقروءة، ذلك أنه لا وجود لإعلام هناك، يمتلك الحد الأدنى من الاستقلالية الكافية ليعبّر من خلالها بحرية عما يراه على أرض الواقع، فالكل خاضع لسياسة واحدة ترسمها وزارة الإعلام السورية، التي تتلقى بدورها التعليمات، والتوجيهات (ليس شرطاً أن تكون مكتوبة أبداً) من الجهات الأعلى في الحكم، حاشية القصر الجمهوري تحديداً.

إن متابعة سريعة لمجريات الخطاب الإعلام السوري، عبر عددٍ من المحطات المعروفة للجميع يكشف بوضوح ما أشارت إليه هذه المقدمة، حيث الكذب دون أي احترام لعقول المشاهدين، الذين يعرفون حقيقة ما يحدث، وبالتالي لا يمكن خداعهم، وتزوير الوقائع بتلك السهولة التي يتفوّه بها ما يسمّى بالمحللين السياسيين الذين يتناوبون الظهور على شاشات التلفزيون السوري، ومحطات الإذاعة، أو الصحف السورية الرسمية، والخاصة جميعاً، وهم يضربون عرض الحائط بكل الوقائع على الرغم من شدة وضوحها، وسطوعها كأشعة الشمس التي لا يمكن أن تختفي خلف أي غربال.

منذ بداية المظاهرات السلمية التي شهدتها المدن السورية، تحدث هذا الإعلام عما أسماه: المندسين، في محاولة منه لتشويه طبيعة تلك المظاهرات، وربطها بالعنف الذي يحاول إلصاقه بها، للقول إن هؤلاء المتظاهرين هدفهم التخريب والعنف، وليسوا مدنيين، وأصحاب مطالب مشروعة.
قدّم التلفزيون السوري عبر نشراته الإخبارية تقريراً من المركز الإذاعي والتلفزيوني بمحافظة درعا، يُظهر فيه هؤلاء المندسين بطريقة صبيانية لا تستطيع إقناع حتى الأطفال.

الكاميرا ثابتة من داخل مبنى هذا المركز تتابع أشخاصاً ملثمين (المندسين) وهم ينظرون إلى الكاميرا التلفزيونية، كأنهم يقومون بتمثيل مشهد تلفزيوني.
عندما قامت مجموعات الشبيحة بالاعتداء على أهالي قرية البيضا في مدينة بانياس، وتم تسريب صور تلك الاعتداءات لهم وهم يقومون بالدعس على رؤوس المواطنين، وضربهم، وشتمهم بأقذع الألفاظ بطريقة لا تحتمل التأويل، أو الالتباس من خلال صورة المكان، وأشكال الناس الذين يتعرضون للتعذيب الجماعي، والشبيحة وكلامهم الصارخ.

عند تلك الحادثة تصدى التلفزيون السوري لمحاولة طمس الحقيقة، فماذا قال محللوه السياسيون؟!. قالوا: هذه الحادثة ليست في سوريا أولاً، والعناصر الذين يقومون بالاعتداء ليسوا سوريين أساساً. كيف ذلك؟!. قالوا: إنها بالعراق، وهؤلاء عناصر من البيشمركة الكردية، وقدموا دليلاً خطيراً على كلامهم هذا هو الأحذية الرياضية التي يلبسها هؤلاء الأشخاص، وقالوا: هذه أحذية لا يستعملها السوريون!!. طبعاً صارت هذه الأحذية ذاتها ترمز إلى ما يلبسه عناصر الجيش السوري النظامي وشبيحته، في إشارة إلى هزائمهم في المواجهات العسكرية المتتالية في مراحل لاحقة.

عندما كانت كاميرات التلفزيون السوري تنتشر في بعض أحياء دمشق لتنقل صورة (الحياة الطبيعية في العاصمة دمشق) أيام الجمع، للرد على المظاهرات التي تنطلق بعد صلاة الجمعة من أمام المساجد، والتي يقوم الناشطون السوريون بتصويرها عبر الهواتف المحمولة، وإرسالها إلى القنوات المهتمة بالحدث السوري (الجزيرة على سبيل المثال).

في إحدى تلك الحالات انطلقت المظاهرة من أمام جامع الحسن بحي الميدان الدمشقي، ومن أمام عين كاميرات التلفزيون السوري، ولم يكن بالإمكان إخفاء صورة المتظاهرين، أو إخفاء أصواتهم، فما كان من مذيعة التلفزيون سوى أن تعلق بأن هؤلاء المواطنين خرجوا ليشكروا الله على نعمة المطر.

لم تنفع هذه السياسة الإعلامية بإقناع أحد من السوريين، لذلك فقد انتقل هذا الإعلام إلى مرحلة جديدة في محاولته الاستخفاف بعقول السوريين والعالم، عندما لجأ إلى اعتماد أسلوب عرض المقابلات التلفزيونية التي يظهر فيها أشخاص يقول إنهم إرهابيون تم اعتقالهم، وها هم يدلون باعترافاتهم.

هذه التمثيليات الركيكة الأداء والإخراج، كانت دليلاً جديداً ضد هذا الإعلام السوري، ممثلاً هنا بالتلفزيون الرسمي تحديداً، وهو يقوم بانتزاع اعترافات تحت التعذيب من أشخاص مدنيين تم اعتقالهم بشكل عشوائي من المظاهرات السلمية، أو من مداهمات البيوت في كثير من الأحيان.

في تلك المرحلة كان الإعلام السوري يحاول لوي عنق الحقيقة وتزييف الأحداث، ونفي وجود ثورة شعبية، أو حركة احتجاجات سلمية ذات مطالب مشروعة، وإحالتها بكل ما فيها إلى عناصر مندسة خارجية التوجيه والتمويل والأهداف، غرضها المباشر زعزعة الاستقرار في سوريا، وضرب نظام الحكم الوطني المقاوم لإسرائيل، كل ذلك عبر مؤامرة مزعومة تم الكشف عنه، وفضحه، ونشره على الرأي العام السوري والعالمي.

فما هي؟!. اتفقوا على تسميتها: مؤامرة بندر بن سلطان، حيث ترسم هذه المؤامرة للسوريين خطة التحرك والتظاهر، والشعارات التي عليهم أن يرفعوها في كل مرة، إضافة إلى تحديد يوم لاقتحام مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين بدمشق، وهو المحمي جيداً من قبل المخابرات.
كيف كُشف النقاب عن هذه المؤامرة؟!. قيل إن موقعاً تابعاً للمخابرات الإسرائيلية يدعى (فيلكا) قام بنشر تفاصيل هذه الخطة/المؤامرة.

في البحث عن هذا الموقع المزعوم، يتبيّن أن لا وجود لموقع إسرائيلي بهذا الاسم من قريب، أو بعيد، بينما تتواصل عمليات البحث عن الموقع الذي يحمل هذا الاسم، لتكتشف أنه موقع وهمي من إحدى دول أمريكا اللاتينية يشرف عليه صحفي لبناني، يتلقى تمويله وكل مصادر معلوماته، وأوامره بالكتابة من المخابرات السورية.

كانوا يريدون القول: لا شيء يحدث في سوريا أبداً، وأن كل الصور الحية التي ينقلها الناشطون بما فيها البث الحي والمباشر، والتي وصل صداها إلى كل العالم، هي أخبار كاذبة، وأن المشاهد الحقيقية للمدن السورية هي عبارة عن مجسمات تم تصنيعها في استوديوهات قناة الجزيرة القطرية، للإيحاء بأنها في مدن سورية، وأن المتظاهرين في الشوارع عبارة عن أشخاص تم تضليلهم وشراء ذممهم كي يخرجوا مقابل سندويشات الكباب الملفوفة بورقة الخمسمائة ليرة سورية، إضافة إلى حبوب الهلوسة التي كانت تعطيهم الطاقة على الدبكة في الشوارع والهتاف لفترات طويلة دون الشعور بالتعب.

كان شعار الإعلام السوري في تلك المراحل دائماً: سوريا بخير، وخلصت، ولم يتوقف المحللون السياسيون السوريون، واللبنانيون الذين كان يدفع لهم النظام مبالغ خيالية للصراخ بأن سوريا انتصرت على المؤامرة الكونية المدعومة سعودياً وقطرياً وإسرائيلياً.

بعد هذه السنوات الطويلة التي مرت ثقيلة على الشعب السوري المطالب بحقه في الحياة، وبالتحرر من عبودية هذا النظام الديكتاتوري المجرم، الذي جرب استعمال كل أنواع الأسلحة ضد شعبه، بما فيها الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي، وحتى المحرمة دولياً، مثل صواريخ السكود بعيدة المدى التي قصف بها المدن السورية البعيدة، مثل الرقة، والسلاح الكيماوي الذي استخدمه في عدد من المرات، وفي أكثر من منطقة بداية في الغوطة الشرقية، وليس انتهاء بإدلب، وخان شيخون، عدا عن استخدامه البراميل المتفجرة ضد الأحياء السكنية في كل المدن التي شهدت ثورة عارمة ضده.

بعد كل هذا الخراب والدمار للبنية التحتية السورية، وبعد كل هذه الأعداد الكبيرة من الضحايا بين قتيل وجريح، وملايين السوريين المهجرين والنازحين داخل المدن السورية وبلدان الجوار وكل أصقاع العالم، وبعد أن تحولت سوريا إلى بلد يخضع لسيطرة عدة احتلالات في آنٍ معاً، وعلى الرغم من كل الدمار الذي لحق بالنفس البشرية للإنسان السوري جراء هذه المجازر المتكررة، فلم يتوقف الإعلام السوري لحظة واحدة عن سياسته اللا مهنية واللا أخلاقية في الأداء، بل يمكن إضافة عنصر جديد أراه يعمل ضمن هذه المنظومة الإعلامية السورية ذاتها، ولكن هذه المرة عبر ما يسمى الدراما السورية.

كيف يمكن للمرء أن يتصور أن يقوم كاتب سوري، وفنان سوري بعد كل ما حدث للإنسان السوري اليوم أن يشمت ويهزأ ويسخر من آلام وموت أخيه السوري؟!. مثال هذا ما حصل مؤخراً مع مسلسل سوري يعرض في شهر رمضان بعنوان: كونتاك، وهو من أداء أمل عرفة، وآخرين.

عندما كان النظام عبر إعلامه يكذب، ويفبرك، فهو فعل ذلك بفعل حاجته للدفاع عن نفسه في مواجهة تلك الوقائع التي هددت وجوده، أما أن ينتقل النظام عبر الدراما هذه المرة، وعبر استئجار أقلام وفنانين ليس فقط من أجل الدفاع عن وجهة نظره كقاتل، بل وللشماتة من موت السوريين الآخرين الذين هم ضحاياه.
الإعلام سوري بكل تاريخه الأسود الذي شهده العالم عبر هذه السنوات الأخيرة على الأقل، لم يكن سوى أحد أسلحة النظام الأشد فتكاً في قتل السوريين.

– كاتب وصحفي سوري – فرنسا.
[email protected]

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit