بين الحقيقة والأوسكار… فلم عن الآباء والأبناء (موضوعاً)

بين الحقيقة والأوسكار... فلم عن الآباء والأبناء (موضوعاً)
بين الحقيقة والأوسكار... فلم عن الآباء والأبناء (موضوعاً)

بين الحقيقة والأوسكار… فلم عن الآباء والأبناء (موضوعاً)
فرحان مطر: كاتب وصحفي سوري – فرنسا

لماذا أكتب عن الفلم؟!.
جلسة نقاش عادية مع بعض الأصدقاء المقربين منذ فترة قريبة، تمحورت حول فلم طلال ديركي الأخير الذي حصل على أوسكار هذا العام، كشفت لي مدى التباين في وجهات النظر بين السوريين عموماً حول هذا الفلم، تراوحت بين من يرى فيه إبداعاً يستحق الأوسكار لعظمته فنياً، ولمضمونه السياسي الذي كشف مناطق مستورة في حياتنا كسوريين، لم يجر البحث فيها من قبل بهذه الجرأة التي تناولها الفلم، وبين وجهة نظر أخرى لسوريين يرون في الفلم انتكاسة خطيرة على مستوى المضمون تحديداً، وشكل هذه الانتكاسة يتلخص بأن المخرج ديركي محسوب كواحد من أبناء الثورة، وبالتالي فهو بهذا المنجز قد أساء للثورة من خلال تقديمه صورة يسعى النظام وحلفاؤه بكل الوسائل لتثبيتها بحق الثورة وحاضنتها الشعبية.

ولأنني لم أشاهد الفلم من قبل، فقد كان موقفي ضعيفاً خلال تلك الجلسة الحوارية، وقالوا لي: كيف لك أن تحكم على الفلم دون أن تشاهده؟!. شرحت لهم قناعتي والأسباب التي حدت بي إلى عدم مشاهدة الفيلم، ومنها مقابلة المخرج التي تحدث فيها بإسهاب عن الفيلم، وخطته المسبقة في تصدير صورة جديدة له مغايرة تماماً لحقيقته، ولموقفه الفكري، التي أراد إيصالها إلى جمهور محدد، كي يسهل عليه ذلك لاحقاً تحقيق الفيلم.

لم يقتنع أصدقائي بحجتي هذه، واتهموني بناء على كلام سبق لي أن كتبته على صفحتي الشخصية على الفيسبوك عن الفلم بالتجنّي.

قلت لهم: بسبب هذا النقاش، سوف أقوم بمشاهدة الفلم برويّة، ودون أي موقف مسبق منه، وسأعلن موقفي مكتوباً مرة أخرى عنه، خاصة إذا اكتشفت أنه كما تقولون عنه بكل هذه الأهمية والقيمة الإبداعية، وسأعتذر من طلال ديركي، وفيلمه ومحبيه جميعاً، وختمت: هذا وعد.

الفلم الذي مدته 1:35:41 دقيقة، شاهدته كاملاً مرتين، في يومين متتاليين، وقمت بإعادة العديد من المشاهد أكثر من مرة، كي لا أغفل عن صغيرة قبل الكبيرة من تفاصيله، أريد أن يكون تقييمي له دقيقاً، وموضوعياً بطبيعة الحال، وبعيداً عن أية مواقف مسبقة.

حول المقدمة:
يبدأ الفلم بصوت الراوي (المخرج ديركي) بهذه المقدمة:
(في صغري علمني أبي أن أكتب كوابيسي كي لا تعود مجدداً. هربت كغيري من الظلم والموت إلى شمال الأرض، وفيما بدأنا ببناء وطن جديد في المنفى، كانت السلفية الجهادية تعيش عصرها الذهبي خلفنا.

الحرب زرعت بذور الكراهية بين الجار وجاره، والأخ وأخيه، والسلفية حصدت خلف الجميع.
ودعت زوجتي وأبي، وأخفيت عنهما خوفي الشديد، ومضيت إلى أرض الرجال التواقين للحرب.
شمال سوريا، مقاطعة إدلب، المنطقة الخاضعة لسلطة القاعدة تنظيم النصرة.

قدمت نفسي بصفتي مصوراً حربياً، وادعيت حبي للجهاد والجهاديين حتى لا أكون عرضة للخطف والتصفية، وعلا الصوت: دعوى، جهاد، خلافة، خلافة، جهاد، دعوى).
بداية استفزتني عبارة: مقاطعة إدلب.

يتابع الراوي:
(سيمضي الجميع إلى المعركة لكنني عازم على البقاء قدر المستطاع مع أسامة وأيمن وبقية الصبية، شاهداً على ورثة الحرب السورية الثقيلة).
الطفلان أسامة وأيمن هما من أبناء أبو أسامة، البطل الأول للفلم الذي تمحورت حوله الحكاية، إضافة إليهما.
هنا أيضاً توقفت عند عبارة: ورثة الحرب السورية الثقيلة.

بعد هذه المقدمة، يظهر اسم الفلم.
في الحديث عن هذه المقدمة أقول:
كل ما حدث منذ ثمانية سنوات حتى الآن في سوريا يراه كابوساً، وهو ينصاع لوصية والده بكتابة الكوابيس كي لا تعود مجدداً.
قبل أن يبدأ كتابة هذه الكوابيس، هرب كغيره من الظلم والموت إلى شمال الأرض، المقصود هنا مكان إقامته الجديدة: ألمانيا.
وبينما هو يحاول بناء وطن جديد في المنفى؟!.. قد أفهم بصفتي لاجئاً معنى بناء الوطن الجديد في المنفى، هو عملية التأقلم مع الظروف الجديدة للحياة التي فرضتها ظروف الهجرة القسرية، وهو ما يطلق عليه في هذه البلاد مصطلح: الاندماج.

بينما كان يحاول الاندماج، كانت السلفية الجهادية تعيش عصرها الذهبي خلفه. أتفق معه بأن السلفية الجهادية استغلت فرصة غيابه بهذا الشكل المعيب.

لذلك قرر من أجل أن يكون حاضراً هناك، ويفعل شيئاً مؤثراً، فإنه ودّع أسرته، وأخفى أهدافه الحقيقية لهذا القرار عنها، وكذلك أخفى خوفه الشديد من المغامرة المرتقبة، ومضى إلى أرض الرجال التواقين للحرب.
مرة أخرى تأتي عبارة صادمة لي: أرض الرجال التواقين للحرب.

ليس هناك شعب، ولا مدنيين، ولا نساء، ولا أطفال، ولا شيء سوى أولئك الرجال التواقين للحرب، هل خانه التعبير؟!. أم هي جرعة شعر لتحسين مستوى النص؟!.
وصل أخيراً إلى مقاطعة إدلب، كما سمّاها، وأرض الرجال التواقين للحرب، وقدم نفسه بالطريقة التي تضمن له السلامة خوفاً من الخطف والتصفية، وهذه براعة يشهد له بها، فالحياة أثمن من أن تذهب مجاناً مقابل مغامرة كتابة كابوس.
ثم علا الصوت: دعوى، جهاد، خلافة، خلافة، دعوى، جهاد.

أتخيل هنا (كمشاهد ومستمع لهذه العبارة) أنني صرت في قلب المعركة، أو في ساحات التدريب العسكري التي لا تتوقف لحظة واحدة، ليتبعها بجملته التالية:
سيمضي الجميع إلى المعركة، لكنني عازم على البقاء قدر المستطاع مع أسامة وأيمن وبقية الصبية شاهداً.
ملاحظة أولى: طيلة مدة الفلم لم نشهد ولا معركة، أو حتى نصف معركة واحدة.

حول الخاتمة:
عند هذه النقطة أنتقل مباشرة من المقدمة التي رواها بصوته، إلى خاتمة الفيلم بصوته كراوي، على أن أعود للتعليق على بعض المشاهد فيما بين (المقدمة والخاتمة).
يقول الراوي (المخرج ديركي):
(لسه الحرب مطولة، لطالما سمعت هذه العبارة مراراً وتكراراً من أفواه الجهاديين.
تطول بنظرهم حتى يأخذ الفكر الجهادي طريقه إلى غالبية المتواجدين في مناطق الحرب.
سنوات مضت وها هي الطرقات تفرقنا الآن.

أيمن بات اليوم فتىً يافعاً، ما زال يكمل تعليمه، ويعتني بأخوته الصغار، وأسامة اقتيد إلى طرقات الموت.
لا طريق يجمعنا بعد اليوم، ابتسامته العفوية وروح التمرد داخله، أصبحا من الماضي، وأنا بدوري أقلّب صفحة قديمة، وأنهي هذا الكابوس.

أعود إلى بيتي، وأسرتي في برلين، بذاكرة عن وطن تغيرت معالمه بطريقة مرعبة، وطن لا يشبه مطلقاً ذاك الذي أعرفه).
بين المقدمة والخاتمة، بعض المشاهد أمثلة:
1 – مشهد يقوم فيه أبو أسامة بتعريف المخرج بأسماء أبنائه، ويظهر الأولاد وقد أطلق عليهم أبوهم أسماء قادة القاعدة، وحركة طالبان الأفغانية، أسامة (بن لادن)، أيمن (الظواهري)، محمد عمر (الملا عمر)، خطاب، الخ، ثم يبدي إعجابه بتدمير البرجين في نيويورك، وبطولات طالبان في أفغانستان، ووصل به الأمر إلى درجة أن يصف حبه لأولئك، بأنه لو وزِّع على كوكب الأرض لما عاد اسمه كوكب الأرض، بل كوكب الحب.يُظهر هذا المشهد منذ البداية حجم استغلال ثقة وبساطة هذا الشخص أبو أسامة الذي استضافه في بيته عامين كواحد من أفراد أسرته (حسب تصريحات ديركي، وشقيق أبو أسامة لاحقاً)، وهو ما ينسجم مع خطة التمويه التي أعلن عنها سابقاً في المقدمة.

2 – مشهد أبو أسامة في السيارة وهو يغني: (هذا دين محمد يجمعنا، يا نفس موتي ولا تخفي…).

3 – مشهد لشخص شعره طويل يعتمر قبعة يتحدث بكلام مرسل دون ناظم: (في مخطط كمان لضرب المنطقة هون وتحريرها بالكامل، ورح نحتوز (يقصد سنستحوذ) على منطقة عازلة بإيدنا، ما رح نستنا دعم، وما أخذت دعم من حدا أبداً أبداً، وجهازي متل ما بيقولوا قطعت الأكل عن اولادي واشتريته، وعدتي وإخلاص في سبيل الله أمام هاي الناس المجاهدين في سبيل الله اللي عم تحرر هالبلد وما بطلب الدعم من حدا).

ثم يتابع هذا الشخص شتم الآخرين من معارضة وغيرها، إلى أن يقول: (المجموعات الإسلامية والخلافة الإسلامية اللي عم تقوم عالأرض لأنه هاي اللي عم يقولوا عنها معتدلة أمريكا وما أمريكا نحنا ما منعترف فيهن هي واحد، دولة الائتلاف اللي بالخارج نحنا ما منعترف عليهن، مو بس نحنا، كلام الناس، كلام المجتمع، كلام الولد، كلام الطفل، ما حدا بيجتمع، ما حدا بيعترف بهي الناس، هي الناس شغلتها الفنادق وأكل الهوى والعوي والشحادة الها ولأطرافها أكتر من هيك لا، خليهن منيتهن على حالهن، بإذن الله عم يستشهد عنا ولد، عم يخلق بدالو ألف ولد، وبيستشهد عنا بطل عم نجيب بدالو ألف بطل، وبإذن الله مستمرين حتى تحرير أرض سوريا بالكامل، وحتى إقامة الدولة الخلافة الإسلامية العادلة لكل الناس.

يقاطعه الديركي: العادلة؟!. يجيبه: العادلة. الديركي مرة أخرى: بدكن خلافة عادلة؟!. يرد عليه: خلافة إسلامية عادلة على المنهاج النبوة أكتر من هيك ما بدنا، بالنسبة للائتلاف أو غير الائتلاف، أو الخنازير هدول من برا، أو التحالف/ التحالف مين هو؟).

يتضح تماماً من خلال حديث هذا الشخص أنه شبه أمي، ولا علاقة له بالسياسة ولا بالعسكرة، وأميل إلى الإعتقاد هنا كما في حالة حديث أبو أسامة السابق، بأنهما تعرضا كما بقية المتحدثين البسطاء في الفلم، إلى عمليات استدراج في الكلام، وإيحاءات عديدة لقول الكلام في سياق محدد وذلك قبل كل تصوير (مجرد تخمين).

4 – مشاهد لعب الأطفال سواء بالقرب من المدرسة، أو على تلة التراب، أو أثناء تركيب قنبلة يدوية ومن ثم تفجيرها، دون أي رادع أخلاقي أو خوف من احتمال إلحاق الضرر أو الموت بهم، عدا عن كونها مفتعلة بطريقة مفضوحة، هذه كلها إشارات استفهام كبيرة على الفلم.

5 – مشهد أبو أسامة وهو يبحث عن الألغام، وتفكيكه أحدها، ويمر بالقرب منه بضع أشخاص مسلحين.

6 – مشهد أبو أسامة في السيارة يغني إحدى أغاني النصرة: ( احفر قبرك في يبرود).

7 – مشهد أبو أسامة وهو يحمل قناصة ويلبس زياً عسكرياً، ويروي ذكريات اعتقاله من قبل النظام، ثم يطلق النار على شخص ويصيبه في هذه الأثناء.

8 – مشهد لعب الأطفال والقفز من فوق دولاب برفقة شخص كبير بما يوحي أنه مدرب، بينما الأطفال ينادونه بكلمة عمي، ثم عندما يعاقب هذا الشخص أحد الأطفال بفرك أذنه، وسؤاله عن الوضوء، ثم قيامه بتطبيق درس عملي عن الوضوء أمام الأطفال.

9 – مشهد أبو أسامة يصلي في بيته أمام أطفاله.

10 – مشهد شخص يتحدث عن القرية كيف كانت تتبع الصوفية ثم تغيرت كلها وتحولت إلى الإسلام الصحيح (إشارة إلى إسلام النصرة).

11 – مشهد المخرج وهو يستجوب الطفل أيمن عن سبب ضرب أبوه لأخيه أسامة، فيجيبه الطفل أيمن: أوقات بيكفر. هذا استغلال آخر لبراءة الأطفال من خلال استدراجه في الحديث.

12 – مشهد إصابة أبو أسامة وبتر ساقه وهو يحاول تفكيك لغم، وعودته إلى البيت بطريقة قاسية.

13 – مشهد توزيع اللباس العسكري على الأطفال. هنا فبركة عن سوء نية مسبقة.

14 – مشهد التدريب في المعسكر، الذي لا يقنع المشاهد بأنه معسكر حقيقي على الرغم من إطلاق النار داخله، وتعريض حياة الأطفال لخطر الإصابة المباشرة.

15 – مشهد المدرب الذي يتحدث أمام الأطفال عن بطولات رجال القاعدة ليحثهم، يبدو أنه درامي بامتياز.

أخيراً:
من حق المخرج أن يضع نصب عينه المهرجانات وجوائزها، ولنا أن نفرح له في كل إنجاز يناله عن جدارة لقاء جهده وإبداعه، وسينال كل المباركات، ولكن شريطة ألا يكون ذلك على حساب الحقيقة، وحياة الناس.

من استطاع الصبر مدة عامين وهو يعيش تجربة فيها من المغامرة والخطورة الحقيقية الشيء الكثير، كي يكتب كابوسه، وكي يوثق اللحظة الحاسمة التي تحتاج التوثيق، ويخرج بفلم جيد جداً من النواحي الفنية، تستحق الإشادة فعلاً، ألم يكن بوسعه أولاً أن يضع نصب عينه أنه يجب أن يحترم الواقع قليلاً؟!.

– من الذي أوصل سوريا إلى هذا الحال، ومن هو الأساس في المشكلة؟!.
– من الذي دمر البلاد بكل أنواع الأسلحة التي يمتلكها جيش مدرب؟!.
– من الذي ابتدأ المجازر في طول البلاد وعرضها؟!.
– من الذي أوجد هؤلاء الوحوش، ومن أدخلهم إلى سوريا؟!.
– من الذي ربّى التكفيرين وأخرجهم لكي يقضوا على الثورة؟!.
– من الذين أدخل الوحوش جميعاً إلى بلادنا، كل سوريا، وليس فقط مقاطعة إدلب كما يقول صاحب الفلم؟!.
– تعرية هؤلاء الوحوش مطلب جميع الأحرار دائماً، فهم أعداء حقنا في الحياة أسوة بالنظام.
لم ترد كلمة واحدة عن النظام وجرائمه بحق الشعب السوري، خلال فترة الفلم على لسان أي من المتحدثين، هل هي مجرد مصادفة؟!.

لم ترد كلمة حرية على لسان أحدهم بما فيه الراوي، ولو على سبيل الإنشاء.
قد يبهر الفلم لجان التحكيم التي تنظر إلى الفلم من خلال زاوية أنه اقتحم واخترق بيئة خطرة جداً واستطاع التصوير وأخذ الشهادات التي تدين هؤلاء الناس، وقد يوافق هذا سياسات ما في العالم بعيداً عن الحقيقة، ولكن الأهم هو تحكيم الناس المعنيين والمهددين في وجودهم بأية لحظة، من صاروخ أو برميل أو قذيفة أو طلقة رصاص.

هؤلاء الناس الذين هربوا من الظلم والموت، مثلما هرب مخرج هذا الفيلم إلى شمال الأرض بحثاً عن الحياة، وربما أيضاً لبناء وطن جديد في المنفى.

ربح الفيلم الأوسكار نعم، ولكنه خسر جمهوراً عريضاً، كان الأولى أن يكونوا أهله.

بين الحقيقة والأوسكار… فلم عن الآباء والأبناء (موضوعاً)