العائدون إلى مناطق سيطرة النظام… إما مقاتل في قواته أو معتقل في سجونه

العائدون إلى مناطق سيطرة النظام... إما مقاتل في قواته او معتقل في سجونه

العائدون إلى مناطق سيطرة النظام… إما مقاتل في قواته او معتقل في سجونه

خاص ليفانت

شهدت مدن وبلدات ريف حمص الشمالي التي يسيطر عليها النظام السوري عودة العديد من شبان المنطقة خلال الأشهر السابقة، الذين خرجوا منها قبل نحو عام بعد اتفاق المصالحة الذي جرى بين النظام وفصائل المعارضة حينها، والقاضي ببقاء من يرغب وخروج من يرفض الاتفاق إلى محافظة إدلب شمالي سوريا، حيث بدأ النظام بتسهيل عودة هؤلاء الشباب إلى مناطقه بهدف تجنيدهم في صفوف جيشه، مستغلاً سوء الأوضاع التي يعيشها أبناء المنطقة ممن هُجّروا إلى الشمال السوري، أو تركيا.

فبعد أن يقوم أحد الشباب بالتواصل مع شخصيات معينة محسوبة على النظام من أبناء المنطقة المتواجدين في ريف حمص، يتم الاتفاق على الترتيبات اللازمة من حيث المبلغ المالي الذي يتوجب على الشاب دفعه، والأوراق اللازمة لإبرام التسوية في الأفرع الأمنية، بالإضافة إلى المعبر والمنطقة التي سيخرج منها الشاب باتجاه مناطق النظام، حيث تتم هذه الأمور بسرية ويطلب من الشاب عدم إخبار أي شخص بهذه التفاصيل.

المهجّر يدفع ثمن عودته لحمص

في حديث خاص لـ”ليفانت” مع أحد شبان مدينة “الحولة” الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، والذي كان أحد الراغبين بالعودة إلى حمص، – لكن إلقاء القبض عليه من الشرطة العسكرية في جرابلس حال دون ذلك –  قال: “إن النظام يقوم بتقديم التسهيلات اللازمة لعودة المهجرين، حيث وصل إلى الحولة خلال الأشهر السابقة أكثر من 40 شاباً قادمين من إدلب وريف حلب، وذلك عن طريق تواصل خاص مع أشخاص محسوبين على النظام، انتدبتهم الأفرع الأمنية للعمل على هذا الملف بهدف إقناع أكبر عدد ممكن من الشباب المهجرين بالعودة”.

وأضاف أن شخصاً يدعى أبو وائل هو من يقوم بتنسيق عودة الشباب ويعمل على تأمينهم، حيث قام أحد أصدقائي بالعودة إلى الحولة عن طريقه، مقابل مبلغ 400 ألف ليرة سورية (700 دولار أمريكي)، وهو ما شجعني إلى التواصل مع نفس الشخص لرغبتي بالعودة بسبب الظروف المتردية والسيئة التي أعيشها في إدلب، لكن كُشف أمري في جرابلس من قبل الشرطة العسكرية أثناء توجهي إلى المعبر، وتم سجني في عفرين لعدة أشهر، وخرجت مؤخراً بعد أن دفعت مبلغ من المال.

وأوضح أن (المدعو أبو وائل يعمل لصالح النظام، ويقوم بتأمين عودة الشباب الراغبين بالعودة إلى مدينة الحولة حصراً، و يؤمن لهم إبرام التسوية دون التعرض للاعتقال، حيث يقوم بالتعاون مع أخيه (عميد في جيش النظام) باستقبال الشاب الراغب بالعودة في مناطق سيطرة النظام بمدينة حلب، بعد أن يتم خروجه عن طريق معبر (عون الدادات) في جرابلس بتسهيل من بعض عناصر الجيش الحر المتعاون معهم والمتواجدين على المعبر لقاء مبلغ من المال متفق عليه، حيث يقوم بأخذهم إلى مدينة حمص مروراً بحواجز النظام دون أن يتعرض له أحد، ثم يقوم بتسليم الشاب لشعبة التجنيد التي تقوم بدورها بإصدار ورقة مهمة لمدة 10 أيام يقضيها الشاب في منزله ومع أهله بموجب اتفاق مسبق، ليتحلق بعد انقضائها في صفوف جيش النظام).

أسباب العودة العكسية إلى مناطق النظام

وعن الأسباب التي تدفع الشباب للعودة إلى مناطق النظام قال الناشط الإعلامي “وائل جمعة” أحد مهجري مدينة الرستن لـ “ليفانت”: إن (معظم الراغبين بالعودة مِن الشمال السوري يعانون مِن أوضاع اقتصادية وظروف معيشية صعبة، وقلة في فرص العمل، بالإضافة إلى حالة الفلتان الأمني التي تشهدها مناطقها والتمييز الذي يتعرّض له مهجرو ريف حمص الشمالي عن باقي المناطق، مما دفع العديد من الشباب للتواصل مع أقاربهم وضباط بالمناطق الخاضعة لسيطرة نظام الأسد بهدف تنسيق عودتهم).

وأكد “جمعة” أن (العائلات القادمة من مدينة الرستن باتجاه الشمال السوري، أكبر بكثير من العائلات والشبان العائدين إليها، وذلك بسبب المضايقات والانتهاكات التي تمارسها قوات النظام بحق الأهالي بعد اتفاق التسوية وخروج فصائل المعارضة من المنطقة، من خلال حملات الاعتقال التي طالت الشبان في سن الخدمة الإلزامية والاحتياطية، وساقتهم للخدمة في صفوفها، رغم حيازتهم على ورقة التسوية التي حصلوا عليها بضمانات روسية، بالإضافة إلى مصادرة ممتلكات مدنية من منازل وسيارات بذريعة أن أصحابها يقاتلون في صفوف الجماعات الإرهابية في إدلب).

أما الناشط “علي عزالدين” وهو من مهجري الرستن فقد عزا سبب عودة الشباب لمناطق النظام إلى الخوف من المستقبل المجهول في الشمال السوري، وخصوصاً بعد تصريحات النظام المتكررة عن نيته استعادة محافظة إدلب بدعم روسي، وحملاته العسكرية التي توشي أنها لن تتوقف حتى يحقق النظام هدفه، إضافة إلى الاغراءات المالية التي يقدمها النظام للمقاتلين في صفوفه، حيث يتم تناقل هذه الأخبار بين الشباب أثناء التواصل فيما بينهم وتشجيع بعضهم للالتحاق”.بصفوف قوات النظام.

معبر “كسب”

شهد معبر “كسب” في ريف اللاذقية الشمالي خلال الأشهر الماضية عودة العديد من المهجرين إلى ريف حمص الشمالي، قادمين من تركيا، وذلك بعد أن بعد أن تم افتتاحه أمام الراغبين بالعودة إلى سوريا، وترويج وسائل إعلام النظام عن عودة أعداد كبيرة من الشباب السوريين عبر هذا المعبر، كما نشر عضو “مركز المصالحة” في قاعدة حميميم الشيخ “عمر رحمون” مقاطع فيديو تظهر عودة عدد من الشباب السوريين من تركيا عبر المعبر، وبث لقاءات مباشرة معهم من أمام مركز الهجرة والجوازات في كسب.

“سامر العلي” أحد مهجري بلدة “البرج” في ريف حمص الشمالي ومقيم في تركيا منذ أكثر من عام ونصف قال لـ”ليفانت”: أن دعوات رحمون لاقت رواجاً كبيراً بين الشبان السوريين في تركيا، وهناك العديد من الشباب عادوا إلى حمص عن طريق معبر كسب، حيث يقوم الشاب باستصدار إذن سفر باتجاه مدينة أنطاكية التركية، ثم الحصول على إذن خروج عبر المعبر بعد أن يقوم بتسليم بطاقة التعريف التركية (الكميلك) ثم الخروج من المعبر باتجاه الأراضي السورية، حيث لا يتطلب جواز سفر أو أي وثيقة أخرى من جانب النظام”.

وأضاف “العلي”، أن “بعض الشباب وصلوا إلى بلداتهم في ريف حمص الشمالي، والتحقوا بعد فترة قصيرة في صفوف الجيش، في حين أن بعضهم الآخر وأعرفهم بشكل شخصي اعتقلهم النظام بعد دخولهم الأراضي السورية عن طريق المعبر، وانقطع الاتصال بهم ولا توجد أي معلومة عن أماكن تواجدهم أو سبب الاعتقال، ما دفع شباناً آخرين كانوا يتجهزون للدخول، إلى التراجع وإلغاء فكرة العودة”.

الزج في المعارك أو الاعتقال.. مصير العائدين

المحامي والعضو في هيئة القانونيين السوريين “فهد القاضي” وخلال حديثه لـ” ليفانت” أوضح أنه (بعد فشل المساعي الروسية من خلال جولات بوتين المكوكية في أوروبا في شهر شباط / فبراير الماضي بشرعنة نظام بشار الأسد دولياً بأنه أعاد بسط سيطرته على كافة المناطق السورية، يقوم النظام عبر جيشه الإلكتروني وعملائه الناشطين في بعض الدول الإقليمية التي يتواجدون فيها بالترويج لإقناع المهجرين بالعودة إلى سوريا من خلال التسويات والمصالحات، وذلك بهدف تمرير مساعدات برامج إعادة الإعمار والحصول عليها، بالإضافة إلى ضمان أصوات مؤيدة للنظام في الانتخابات التي تروج لها روسيا).

وأضاف “القاضي” أن (النظام قام عن طريق مواليه بمسرحيات تتمثل بعودة البعض إلى سوريا عبر معبر كسب الحدودي مع تركيا، حيث أن أغلب العائدين من المعبر هم من الموالين للنظام، بالإضافة إلى أعداد قليلة ممن خدعوا وعادوا استناداً لمرسوم العفو الذي أصدره النظام، ولكن بمجرد دخولهم الأراضي السورية تلقتهم أجهزة المخابرات وقامت بسوق البعض إلى الخطوط الأمامية على الجبهات ضد قوات المعارضة، والبعض الآخر تم اعتقاله أو تصفيته).

وتابع: “يستثمر النظام حالات عودة الشباب ويتم انتاجها وإخراجها على الإعلام بشكل جميل من خلال استقبال هؤلاء العائدين، ولكن ما أن تنتهي تلك الدقائق الحميمية التي تصور بوسائل إعلام النظام في معبر كسب حتى يختفي هؤلاء الأشخاص ولا يعلم مصيرهم، وحتى أن الغالبية أصبحوا في عداد المفقودين، وبالتالي تكون زنازين النظام ومقابره الجماعية المحطة الأخيرة لهؤلاء الأشخاص، ولدنيا توثيقات أسماء عدد كبير من هذه الشريحة).

وكانت قوات النظام أعلنت في منتصف شهر أيار 2018 السيطرة بشكل كامل على ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي، بعد خروج آخر دفعة من المهجرين، ضمن اتفاق “تهجير” فرضه النظام وروسيا على لجنة التفاوض عن شمال حمص وجنوب حماة، ومنذ ذلك الحين، ما تزال المنطقة تعاني من خرق النظام لبنود الاتفاق، عبر الاعتقالات التعسفية وسوق الشباب إلى التجنيد الإجباري، حيث قام النظام باستمالة الشباب لإجراء المصالحات وتسوية أوضاعهم، وخاصة المتخلفين عن الخدمة العسكرية، كما اعتقل آخرين بحملات مداهمات بينهم مهجرون عائدون إلى مناطق سيطرته.