السوريون وفوبيا الانتخابات: كوابيس بلدية إسطنبول

السوريون وفوبيا الانتخابات: كوابيس بلدية إسطنبول
السوريون وفوبيا الانتخابات: كوابيس بلدية إسطنبول

السوريون وفوبيا الانتخابات: كوابيس بلدية إسطنبول
أحمد طلب الناصر

ماذا تخبّئ انتخابات بلدية إسطنبول للسوريين في 23 يونيو/ حزيران الجاري؟ وماذا سيترتب على نتائجها في المدى المنظور والبعيد، بالتزامن مع زيادة الضغط مؤخراً على السوريين، من قبل الجهتين المتنافستين، والمبالغة في عمليات التوقيف والترحيل بذرائع شتى؛ كالسفر بين الولايات بدون إذن سفر، أو المسير في الشارع بدون (كيملك)، أو لمجرد توجيه شكوى كيدية ضد شخص أو عائلة سورية؟
كلّ ذلك صار يُحتّم على غالبية اللاجئين السوريين التزام بيوتهم والسكوت أمام أي استفزاز يتعرضون له خوفاً من نتائج لا تُحمد عقباها.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، بدأ مسلسل تصيُّد السوريين وتسجيل أخطائهم المقصودة وغير المقصودة، والتقاط صور ومشاهد اللاجئين في الحدائق والأسواق العامة وعند الشواطئ وبثّها على صفحات التواصل الاجتماعي بغية إثارة الشارع التركي ضدهم، وزجّ ورقة السوريين من جديد في الحملات الانتخابية كما جرت العادة خلال جميع الانتخابات التركية منذ العام 2012.

ولا يخفِ السوريون المقيمون، ليس في إسطنبول فحسب، بل في عموم الولايات التركية، تخوفهم الصريح من مآلات انتخابات البلدية في إسطنبول، الولاية المعروف عنها في الوسط السياسي التركي بأن “من يفوز بها فقد فاز بحكم تركيا”.

صدرت نتائج الانتخابات في 31 مارس/ آذار الماضي، معلنة فوز مرشحي العدالة والتنمية في غالبية الولايات التركية، وتحديداً الوسطى والجنوبية منها والمكتظة باللاجئين السوريين، إلا أن ذلك لم يمنع السوريين عن إظهار قلقهم وتوتّرهم إزاء نتائج الانتخابات الأولى في إسطنبول وما تلاها.

فالسوريون الذين تجاوز عدد المسجلين منهم اليوم 3,7 مليون لاجئ داخل تركيا، ربطوا مصيرهم، منذ أيام لجوئهم الأولى، بمصير الحكومة التركية المُمثَـلة بالعدالة والتنمية، نظراً لخطاب الحزب المعادي لنظام الأسد ولتبنيه سياسة الباب المفتوح أمام السوريين وتقديم التسهيلات غير المشروطة، في البداية، لإقامتهم وعملهم واستثمارات المقتدرين منهم، حتى باتوا اليوم جزءاً لا يتجزّأ من النسيج التركي، سيما بعد مَنْح ما يقرب من 76 ألفاً الجنسية التركية الاستثنائية، بالإضافة إلى دمج نحو 635 ألف طفل وشاب سوري في التعليم التركي، منهم ما يزيد عن 20 ألف طالب يدرسون في مختلف الجامعات التركية الحكومية.

فكان لفوز مرشّح حزب الشعب الجمهوري “أكرم إمام أوغلو” ببلدية إسطنبول في الانتخابات الماضية، انعكاساته المخيفة على اللاجئين السوريين بالتزامن مع إطلاق التهديدات التي شنّتها غالبية أحزاب المعارضة، والتي استهدفت الوجود السوري في تركيا كما جرت العادة قبيل كل استحقاق انتخابي تشهده البلاد منذ 2012.

ووصل قلق السوريين إلى أوجِه بعد تسليم لجنة الانتخابات وثيقة رئاسة البلدية لأكرم إمام أوغلو، في 17 أبريل/ نيسان الفائت، ليباشر بأعماله كرئيس بلدية إسطنبول بصرف النظر عن الطعونات المقدمة من العدالة والتنمية بناءً على “مخالفات ممنهجة خلال عملية فرز الأصوات” حسب وصف الحزب.

– السوريون بعد قرار إعادة الانتخابات:
لم يمضِ على تسلّم إمام أوغلو مفاتيح رئاسة البلدية أكثر من عشرين يوماً حتى أصدرت اللجنة العليا قرار استجابتها للطعن وإلغاء النتيجة السابقة. فتم تحديد موعد جديد لإعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في 23 يونيو/ حزيران الجاري.
ولكن، هل كان لانعكاس القرار أثره الإيجابي على السوريين؟

في الواقع كان لوقع القرار تأثيراً متفاوتاً عند السوريين، بل واعتبره البعض منهم سلبياً بالمطلق. فبدل أن يساهم بطمأنتهم ومنحهم أملاً جديداً بفوز مرشح العدالة “بن علي يلدريم”، عاد القلق ليحوم حول البعض.
فنتيجة الانتخابات المُعادة ستضع الأخيرين في موضع لن يُحسدوا عليه البتة، كما وأنها ستنعكس سلباً على الحزب حال فوز مرشحه “يلدريم” أو خسارته؛ فإن فاز الأخير سيكون العدالة والتنمية عرضة للانتقاد والاتهام، من قبل المعارضة على الأقل، بفرْض مرشحه بالقوة وانتهاك مسار الديموقراطية في البلاد. وإذا خسر فستكون ضربة موجعة وقاسية للحزب وبالمقابل ستزيد من قوة المعارضة ومكانتها داخل الوسط التركي، وليستمر بالتالي مسلسل الرعب عند السوريين.

– إدارة الهجرة تجري لقاءً لتوجيه السوريين وطمأنتهم:
مؤخراً، وجّه العدالة والتنمية جزءاً من حملته لتوعية السوريين، فكان اللقاء الذي دعت إليه دائرة الهجرة التركية الإعلاميين السوريين في إسطنبول، في الخامس عشر من هذا الشهر، أي قبل أسبوع من موعد إعادة الانتخابات.

مثّل دائرة الهجرة كلّ من نائب مدير الدائرة في العاصمة أنقرة، يرافقه مدير دائرة الهجرة في إسطنبول، وحضر إعلاميون سوريون، مستقلون وممثلون عن المؤسسات الإعلامية العاملة في الولاية.
الهدف المباشر من اللقاء تمثّل في شرح صورة الأوضاع السياسية والاجتماعية والأمنية المرتبطة بالسوريين في تركيا، ومدى حساسيتها في الوقت الراهن نتيجة اقتراب موعد إعادة انتخابات إسطنبول، ومن ثم تكليف الإعلاميين بإيصال الصورة إلى بقية السوريين للالتزام بالتوجيهات المطروحة من قبل الدائرة.

فألقى نائب المدير كلمة دعا من خلالها السوريين المقيمين في إسطنبول إلى تجنّب حدوث القلاقل و”الفتن” حسب وصفه، والابتعاد عن أي تصرّف من شأنه إثارة المشاكل مع الأتراك لسدّ الطريق أمام الأطراف المغرضة والإعلام المعارض ومنع استغلالها لإثارة النزعات وبثّ خطابات الكراهية ضد السوريين.

وطلب أيضاً من السوريين عدم الاحتكاك المباشر مع الأتراك في الأماكن المزدحمة كالأسواق وشواطئ السباحة، إضافة على عدم تشكيل تجمعات في الأماكن العامة أو تنظيم تظاهرات أو رفع شعارات وأعلام خاصة بالسوريين، وتفادي كتابة المنشورات الاستفزازية.

وأشار في نهاية حديثه إلى تفهّم إدارة الهجرة لوضع السوريين وقلقهم المرتبط بالحالة الراهنة، مؤكداً نشاط الإدارة المستمر في تقريب وجهات النظر بينهم وبين الأتراك، إضافة إلى التعريف بحقوقهم داخل المجتمع التركي في كافة الولايات.

– تصريحات المرشحّين تزيد من قلق السوريين:
سبق لقاء الهجرة العديد من التصريحات الموجهة إلى السوريين، ولعل أكثرها إثارة للجدل تلك التي أطلقها مرشح العدالة “يلدرم” عبر مقابلة تلفزيونية، إذ قال: “الفئة المندمجة دون غيرها من السوريين ستبقى في إسطنبول، شريطة عدم الإخلال بالوئام الاجتماعي فيما سيتم العمل على ضمان عودة الآخرين إلى بلادهم”. وأضاف “سنمسك المسيء من أذنه ونرسله إلى بلاده دون الاهتمام بدموعه التي يذرفها”.

أما إمام أوغلو فأوضح إنه سيعمل ما بوسعه لتسهيل عودة السوريين إلى ديارهم، وذلك بحلحلة مشاكل المتواجدين في إسطنبول كخطوة أولى، ثم سيجهد لنقل معاناتهم إلى المحافل الدولية التي خاطبها بالقول: “اهتموا بتحقيق الأمن في تلك الأراضي بقدر اهتمامكم بالنفط المتواجد تحتها، ليعود السوريون الذين استضفناهم في بلادنا إلى وطنهم بأقرب فرصة”.

وتضمّ بلدية إسطنبول نحو 559 ألف لاجئ سوري مسجّل، فيما يصل العدد إلى 700 ألف لاجئ بعد إضافة غير المسجلين.
– على الهامش: مواطن تركي يعلّق على فوبيا السوريين:

يعلّق أحّد المواطنين الأتراك المتابعين للشأن السوري في تركيا، فيقول: “ما لم يدركه السوريون حتى اللحظة، رغم السنوات التي عاشوها في تركيا، أن وجودهم واستقرارهم فيها لا يخضع لخطاب أو تصريح أو تهديد. فالدولة التركية، ورغم الفارق الكبير بينها وبين دول الغرب عموما،ً تخضع لقوانين المجتمع الدولي في ما يخص حقوق اللاجئين.

ويضيف: “الشعب التركي، وبصرف النظر عن الفائز بالانتخابات المقبلة ببلدية إسطنبول، مهما تبدلت لديه الولاءات والتحالفات السياسية الداخلية لن يفكّر بالعودة إلى ما قبل 2002، ولن يقبل بتحَكُّـم العسكر بمصيره بعد أن ذاق طعم الحريّة الانتخابية وحلاوة الانتعاش الاقتصادي منذ ذلك الحين، ويُستبعَد سماحه للتبدّلات السياسية أن تجرّه إلى ما قبل ذلك؛ ولعل تجربة الانتخابات الأخيرة أكسبت الأتراك ثقة زائدة في قدرتهم على فرض كلمتهم على الحكومات والبلديات التي يختارون وليس العكس”.

السوريون وفوبيا الانتخابات: كوابيس بلدية إسطنبول