أعطني بيّارتك وارحلْ

أعطني بيّارتك وارحلْ
أعطني بيّارتك وارحلْ

أعطني بيّارتك وارحلْ
فاروق الشريف

على غير عادة مجيئه الربيعيّ في كلّ عام منذُ عشرين سنة لم يأتِ هذا العام
ولم يستيقظِ البيتُ على زقزقةٍ كانت منذ سنوات لحناً صباحيّاً يصدح في البيوت الريفية.


كانت حياته أشبه بحياة الشعراء الذين ينتقلون من بلد إلى آخرَ بحثاً عن
جماليات هذا الكون كذلك هذا السنونو الذي لم يشهدْ فاجعة ألمّت بأهله هذا
العام، ربما أحسّ بما سيحدث فاستحی أنْ يرى كيف يقتل البشر وتهدم الأعشاش في سوريا.

"<yoastmark


لم تمضِ أيّام قليلة حتى زادت لهيبَ رمضان بنادقٌ لا يفهم حاملوها
معنى عذاب الأرض ساعة المخاض وهي تلدُ أبناءها، عندما دقت أقدام
الجنود ناقوس الوداع باجتياحهم للقرية وتطويقهم لها بغية تحويلها إلی ثكنة عسكرية.



كانت كلمات حاملي البنادق الموجهة لأهل القرية منظومة بصيغة الأمرِ
الغير قابلة للاعتراض ، تلك الصيغة التي لايتقن غيرها إلا من خلعوا
على أنفسهم صفة القداسة، إذ قالوا لنا اخرجوا إلی العراء أو إلی السماء
إن شئتم، كل مايهم أن لانراكم هنا قبل أن تستقبلوا شمسا جديدة.

كمثل نزيف أهل القرية نزفت خارجاً منها مع الأهلِ والجيران إلى حيث يمكنك
أن تنصب خيمة تأويكَ بل تغليكَ لأنها بهذا الحر لاتختلف عن خزانات الطاقة الشمسية.



جميع أهل القرية بما فيهم العجائز والمرضى والأطفال لم يفجّر
ينابيع أعينهم الألمُ الجسدي بقدر ماعلقت في قرارة أنفسهم صيغةُ الأمر
الموجهة لهم (اخرجوا)، فكلما نظروا إلى القرية وهم يودعونها تبدلت أحرف
تلك الكلمة وصاروا يحسونها (انسلخوا) نعم انسلخوا عن الرحم الذي يبقيكم أجنّة
من الولادة حتى الممات، انسلخوا عن ظلال الشجر التي كانت مع موعد لحكايا
الوطن والثورة قبيل ساعة الإفطار.



تلك اللحظات ضيّقت الكون عليّ كأنما هي سكرة الموت بل أشد فالموت
يحمل إليك رائحة أهلك مع كلّ نسمة تحرك أقحوانةَ قبرك، أما الآن فلابد
أن تعيش الهجرة مرتين ، مرة في الحياة ، ومرة في الموت .


أحسست وقتها أنّ الأرضَ وهمٌ حيثما صوّبت نظري فرغم أنك مهجّر تراها
قد ضاقت بأحلامك فأيّ مستقبلٍ يستطيع المهجّر أن يفهمه لأن نشوة الألم تبقيه
سكراناً دون أن يمسَّ القدح لكنما الذاكرة تبقيه صاحياً ولو شرب أقداح الأرض
كلها، ذاكرة تنزف بآلام درعا ودمشق وحلب وواسطة العقد السوري ،ذاكرة
تسترجع صور احتظان السنة السوريين للقادم الغريب.



كنت أنظر إلی وجوه أهل القرية المهجرين فأحس كأني جربت كل
أنواع الموت السوري ، وجدت ألم الكيماوي في الغوطة وسكاكين الحولة
وبانياس ، حتی كروم الزبداني وداريا تتألم في ذاتي ، فكل سوري قادر
أن يجمع المأساة السورية بجرح واحد، لإن رحلة التهجير واحدة تقل قافلتها
الهوية السنية نحو الضياع لتتغير بعدها ملامح الأرض لكن هيهات وآثار الخطی لاتطابق إلا قدم صاحبها.


أدركت وقتها أن خمس سنوات من الثورة _والعالم غافل عن المأساة _ كفيلة لفهم معنی قول اليهود للفلسطيني:
(أعطني بيّارتك وارحلْ.. (


Levant Magazine – الصفحة الرئيسية

أعطني بيّارتك وارحلْ
فاروق الشريف

على غير عادة مجيئه الربيعيّ في كلّ عام منذُ عشرين سنة لم يأتِ هذا العام
ولم يستيقظِ البيتُ على زقزقةٍ كانت منذ سنوات لحناً صباحيّاً يصدح في البيوت الريفية.


كانت حياته أشبه بحياة الشعراء الذين ينتقلون من بلد إلى آخرَ بحثاً عن
جماليات هذا الكون كذلك هذا السنونو الذي لم يشهدْ فاجعة ألمّت بأهله هذا
العام، ربما أحسّ بما سيحدث فاستحی أنْ يرى كيف يقتل البشر وتهدم الأعشاش في سوريا.

"<yoastmark


لم تمضِ أيّام قليلة حتى زادت لهيبَ رمضان بنادقٌ لا يفهم حاملوها
معنى عذاب الأرض ساعة المخاض وهي تلدُ أبناءها، عندما دقت أقدام
الجنود ناقوس الوداع باجتياحهم للقرية وتطويقهم لها بغية تحويلها إلی ثكنة عسكرية.



كانت كلمات حاملي البنادق الموجهة لأهل القرية منظومة بصيغة الأمرِ
الغير قابلة للاعتراض ، تلك الصيغة التي لايتقن غيرها إلا من خلعوا
على أنفسهم صفة القداسة، إذ قالوا لنا اخرجوا إلی العراء أو إلی السماء
إن شئتم، كل مايهم أن لانراكم هنا قبل أن تستقبلوا شمسا جديدة.

كمثل نزيف أهل القرية نزفت خارجاً منها مع الأهلِ والجيران إلى حيث يمكنك
أن تنصب خيمة تأويكَ بل تغليكَ لأنها بهذا الحر لاتختلف عن خزانات الطاقة الشمسية.



جميع أهل القرية بما فيهم العجائز والمرضى والأطفال لم يفجّر
ينابيع أعينهم الألمُ الجسدي بقدر ماعلقت في قرارة أنفسهم صيغةُ الأمر
الموجهة لهم (اخرجوا)، فكلما نظروا إلى القرية وهم يودعونها تبدلت أحرف
تلك الكلمة وصاروا يحسونها (انسلخوا) نعم انسلخوا عن الرحم الذي يبقيكم أجنّة
من الولادة حتى الممات، انسلخوا عن ظلال الشجر التي كانت مع موعد لحكايا
الوطن والثورة قبيل ساعة الإفطار.



تلك اللحظات ضيّقت الكون عليّ كأنما هي سكرة الموت بل أشد فالموت
يحمل إليك رائحة أهلك مع كلّ نسمة تحرك أقحوانةَ قبرك، أما الآن فلابد
أن تعيش الهجرة مرتين ، مرة في الحياة ، ومرة في الموت .


أحسست وقتها أنّ الأرضَ وهمٌ حيثما صوّبت نظري فرغم أنك مهجّر تراها
قد ضاقت بأحلامك فأيّ مستقبلٍ يستطيع المهجّر أن يفهمه لأن نشوة الألم تبقيه
سكراناً دون أن يمسَّ القدح لكنما الذاكرة تبقيه صاحياً ولو شرب أقداح الأرض
كلها، ذاكرة تنزف بآلام درعا ودمشق وحلب وواسطة العقد السوري ،ذاكرة
تسترجع صور احتظان السنة السوريين للقادم الغريب.



كنت أنظر إلی وجوه أهل القرية المهجرين فأحس كأني جربت كل
أنواع الموت السوري ، وجدت ألم الكيماوي في الغوطة وسكاكين الحولة
وبانياس ، حتی كروم الزبداني وداريا تتألم في ذاتي ، فكل سوري قادر
أن يجمع المأساة السورية بجرح واحد، لإن رحلة التهجير واحدة تقل قافلتها
الهوية السنية نحو الضياع لتتغير بعدها ملامح الأرض لكن هيهات وآثار الخطی لاتطابق إلا قدم صاحبها.


أدركت وقتها أن خمس سنوات من الثورة _والعالم غافل عن المأساة _ كفيلة لفهم معنی قول اليهود للفلسطيني:
(أعطني بيّارتك وارحلْ.. (


Levant Magazine – الصفحة الرئيسية

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit